الشوكاني
416
فتح القدير
الآية ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " والذي بعثني بالحق لولا ضعفاء الناس ما كانت سرية إلا كنت فيها " . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ( ما كان لأهل المدينة ) قال هذا حين كان الإسلام قليلا لم يكن لأحد أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما كثر الإسلام وفشا قال الله ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وإبراهيم بن محمد الفزاري وعيسى بن يونس السبيعي أنهم قالوا في قوله تعالى ( ولا ينالون من عدو نيلا ) قالوا : هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة . سورة براءة الآية ( 122 - 123 ) اختلف المفسرون في معنى ( وما كان المؤمنون ليفروا كافة ) فذهب جماعة إلى أنه من بقية أحكام الجهاد . لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد والانتداب إلى الغزو كان المسلمون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية من الكفار ينفرون جميعا ويتركون المدينة خالية ، فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك : أي ما صح لهم ولا استقام أن ينفروا جميعا ، بل ينفر من كل فرقة منهم طائفة من تلك الفرقة ويبقى من عدا هذه الطائفة النافرة . قالوا : ويكون الضمير في قوله ( ليتفقهوا ) عائدا إلى الفرقة الباقية ، والمعنى : أن الطائفة من هذه الفرقة تخرج إلى الغزو ، ومن بقي من الفرقة يقفون لطلب العلم ، ويعلمون الغزاة إذا رجعوا إليهم من الغزو ، أو يذهبون في طلبه إلى المكان الذي يجدون فيه من يتعلمون منه ليأخذوا عنه الفقه في الدين وينذروا قومهم وقت رجوعهم إليهم . وذهب آخرون إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد ، وهي حكم مستقل بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم والتفقه في الدين ، جعله الله سبحانه متصلا بما دل على إيجاب الخروج إلى الجهاد ، فيكون السفر نوعين : الأول سفر الجهاد ، والثاني السفر لطلب العلم ، ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر . والفقه : هو العلم بالأحكام الشرعية ، وبما يتوصل به إلى العلم بها من لغة ونحو وصرف وبيان وأصول . ومعنى ( فلولا نفر ) فهلا نفر ، والطائفة في اللغة الجماعة . وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين ، وإنذار من لم يتفقه . فجمع بين المقصدين الصالحين والمطلبين الصحيحين ، وهما تعلم العلم وتعليمه ، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين ، فهو طالب لغرض دنيوي لا لغرض ديني ، فهو كما قلت : وطالب الدنيا بعلم الدين أي بائس * كمن غدا لنعله يمسح بالقلانس ومعنى ( لعلهم يحذرون ) الترجي لوقوع الحذر منهم عن التفريط فيما يجب فعله فيترك . أو فيما يجب تركه فيفعل ، ثم أمر سبحانه المؤمنين بأن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار ، وأن يأخذوا في حربهم بالغلظة والشدة والجهاد واجب لكل الكفار ، وإن كان الابتداء بمن يلي المجاهدين منهم أهم وأقدم ، ثم الأقرب فالأقرب ، ثم أخبرهم الله بما يقوي عزائمهم ويثبت أقدامهم فقال ( واعلموا أن الله مع المتقين ) أي بالنصرة لهم وتأييدهم على عدوهم ومن كان الله معه لم يقم له شئ .